فخر الدين الرازي
257
تفسير الرازي
كونه مظاهراً بذلك القدر من الزمان ، وذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة : ثم والجواب عن الثاني : أن الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها ، فقوله : أنت علي كظهر أمي ، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية ، أو في الاستمتاع بها ، فوجب حمله على الكل ، فقوله : أنت علي كظهر أمي ، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية ، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية ، فكان هذا الإمساك مناقضاً لمقتضى قوله : أنت علي كظهر أمي ، فوجب الحكم عليه بكونه عائداً ، وهذا كلام ملخص في تقرير مذهب الشافعي الوجه الثاني : في تفسير العود ، وهو قول أبي حنيفة : أنه عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة ، قالوا : وذلك لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ، ثم قصد استباحة هذه الأشياء كان ذلك مناقضاً لقوله : أنت علي كظهر أمي ، واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، لأنه لما شبهها بالأم ، لم يبين أنه في أي الأشياء شبهها بها ، فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة الاستمتاع ، وحرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية ، فوجب أن يحمل هذا التشبيه على الكل ، وإذا كان كذلك ، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية لحظة ، فقد نقض حكم قوله : أنت علي كظهر أمي ، فوجب أن يتحقق العود الوجه الثالث : في تفسير العود وهو قول مالك : أن العود إليها عبارة عن العزم على جماعها وهذا ضعيف ، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة القصد إلى استحلال جماعها ، وحينئذ نرجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله الوجه الرابع : في تفسير العود وهو قول طاوس والحسن البصري : أن العود إليها عبارة عن جماعها ، وهذا خطأ لأن قوله تعالى : * ( ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) * بفاء التعقيب في قوله : * ( فتحرير رقبة ) * يقتضي كون التكفير بعد العود ، ويقتضي قوله : * ( من قبل أن يتماسا ) * أن يكون التكفير قبل الجماع ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون التكفير بعد العود ، وقبل الجماع ، جب أن يكون العود غير الجماع ، واعلم أن أصحابنا قالوا : العود المذكور ههنا ، هب أنه صالح للجماع ، أو للعزم على الجماع ، أو لاستباحة الجماع ، إلا أن الذي قاله الشافعي رحمه الله ، هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود ، وأما الباقي فزيادة لا دليل عليها البتة . الاحتمال الثاني : في قوله : * ( ثم يعودون ) * أي يفعلون مثل ما فعلوه ، وعلى هذا الاحتمال في الآية أيضاً وجوه الأول : قال الثوري : العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام ، وتقريره أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار ، فجعل الله تعالى حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية ، فقال : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ) * يريد في الجاهلية : * ( ثم يعودون لما قالوا ) * أي في الإسلام والمعنى أنهم يقولون في الإسلام مثل ما كانوا يقولونه في الجاهلية ، فكفارته كذا وكذا ، قال أصحابنا هذا القول ضعيف لأنه تعالى ذكر الظهار وذكر العود بعده بكلمة : ثم وهذا يقتضي أن يكون المراد من العود شيئاً غير الظهار ، فإن قالوا : المراد والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام ، والعرب